تقارير

غزة الكبرى.. مشروع إسرائيلي يثير قلق مصر

غزة الكبرى.. مشروع إسرائيلي يثير قلق مصر

سلطت المديرة التنفيذية لمؤسسة “فيتوريو دان سيغري” البحثية، أنطونيلا كاروسو، الضوء على مشروع “غزة الكبرى” الذي تخشاه مصر على أمنها القومي، في ظل العدوان الإسرائيلي الوحشي على غزة وتدميره للقطاع، مشيرا إلى أن القاهرة كررت، في 21 أكتوبر/تشرين الأول، رفضها الشديد للتهجير القسري للفلسطينيين ونقلهم إلى سيناء.

وذكر الموقع، في تحليل نشره موقع “جيوبوليتيكال فيوتشرز” وترجمه “الخليج الجديد“، أن الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، قال: “سيكون مخطئا في فهمه لطبيعة الشعب الفلسطيني، من يظن أن هذا الشعب الأبي، الصامد، الصامد، مستعد للتخلي عن أرضه، حتى لو كانت تلك الأرض تحت الاحتلال أو القصف”، مشيرا إلى أن الموقف المصري، مثل الموقف العربي، يظل متمسكا بالحل الدبلوماسي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ورفض أي محاولة إسرائيلية لنقل سكان القطاع إلى سيناء، أو الضفة الغربية إلى الأردن.

وتعززت المخاوف المصرية والعربية بشكل خاص بعد الإنذارات التي أصدرها الجيش الإسرائيلي لسكان غزة بترك منازلهم، والتحرك جنوباً ثم باتجاه سيناء، تحت وطأة الموت تحت القصف.

وفي ظل موجة هذه النداءات وتحت وابل الصواريخ المتواصل، اضطر أكثر من مليون نازح إلى الانتقال إلى جنوب غزة، على أمل العثور على ملاذ في المناطق المكتظة بالسكان بالفعل.

وتحت الحصار الإسرائيلي المصري منذ عام 2007، كسرت غزة منذ ذلك الحين عزلتها الجغرافية وخنقها الاقتصادي، إما بشكل غير قانوني من خلال الأنفاق تحت الأرض أو بشكل قانوني من خلال 3 معابر حدودية مفتوحة على فترات غير منتظمة تمليها بشكل روتيني الاحتياجات الأمنية للفلسطينيين وجيرانها الأقوياء.

ومن بين المعابر السبعة، التي كانت نشطة خلال الاحتلال الإسرائيلي (1967-2005)، كان معبر إيريز في الشمال، وكرم أبو سالم، ورفح في الجنوب فقط، بمثابة بوابات مستمرة للمنطقة.

ومن خلال معبر رفح، الواقع على الحدود مع مصر، تمر البضائع والأشخاص والمساعدات الإنسانية.

ورفح مدينة كانت ضمن حدود فلسطين، أيام الانتداب البريطاني، واحتلتها القوات الملكية المصرية خلال الحرب العربية الإسرائيلية الأولى عام 1948 ثم سقطت تحت الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب الأيام الستة عام 1967. بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل، تم تقسيم المدينة في عام 1982 بين رفح الفلسطينية، في الأراضي المحتلة، ورفح المصرية.

كما نصت المعاهدة على الانسحاب التدريجي للقوات الإسرائيلية من شبه جزيرة سيناء ونزع سلاحها، وتقسيمها إلى 4 مناطق، منها اثنتين فقط (أ وب) يمكنهما استيعاب وحدات الجيش والشرطة المصرية المسلحة بالأسلحة الثقيلة والخفيفة على التوالي، فيما تقتصر المنطقة ج على وجود قوات الأمم المتحدة والشرطة المدنية المصرية، فيما تقع المنطقة (د)، على طول حدود رفح، في قطاع غزة.

تم تعريف حدود رفح بين مصر والأراضي المحتلة وإسرائيل على أنها ذات حرمة ولها 3 معابر: رفح ونيتسانا وطابا، وأصبح معبر رفح معبرًا دوليًا، وبالتالي كان خاضعًا لاتفاقيات قانونية بين الأطراف المسؤولة عن تشغيله: مصر وإسرائيل. ونظراً لعدم وجود السلطة الوطنية الفلسطينية في غزة، فقد تم تهميشها فعلياً.

وبالتالي، فإن رفح مدينة مقسمة، وتمتد إلى المنطقتين (ج) و(د) في سيناء، وكان تقسيمها هو أصل أولى الأنفاق التي بنتها العائلات الفلسطينية بهدف الحفاظ على التجارة والتواصل مع أقاربها في رفح المصرية.

 

وسرعان ما شكلت هذه الأنفاق شريان الحياة لاقتصاد قطاع غزة وسيناء، لتتحول إلى شوكة في خاصرة الأمن الإسرائيلي عندما تم “تحرير” هذه الأرض الفلسطينية في عام 2005، وفي العام التالي سيطرت حركة حماس، الفائزة في الانتخابات التشريعية ضد منافستها فتح، على غزة بشكل أحادي نتيجة توترات عسكرية بينها وبين أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية.

وتمكنت حماس، المعزولة من قبل مصر وإسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية، من كسر الحصار من خلال بنية تحتية قوية من الأنفاق، التي ازدهرت من خلالها التجارة السرية في السلع والأسلحة بين رفح وعلى طول الحدود.

واستفاد من الأنفاق الفلسطينيون والبدو المصريون، الذين تم تهميشهم لفترة طويلة من قبل حكومة القاهرة.

وكانت الثورة المصرية عام 2011 والأزمة السياسية والاقتصادية التي تلت ذلك بمثابة مرحلة جديدة في العلاقات بين مصر وحماس، أدت مع مرور الوقت إلى هدم الأنفاق، والتدمير التدريجي لمعبر رفح المصري، وبناء رفح جديدة، ليست بعيدة عن الموقع الأصلي لرفح القديمة.

اختبار للعلاقات

وتشير أنطونيلا، في هذا الصدد، إلى أن المعبر الحدودي لمرور المدنيين أصبح، بعد ذلك، بمثابة اختبار حقيقي للعلاقات بين مصر وحماس وعنصر ضغط من الأولى على الأخيرة.

وأضاف أن أمن سيناء، وخاصة أمن حدودها الشمالية، جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، ولذلك، لا بد من النظر إلى علاقات القاهرة المتطورة مع قطاع غزة ومع القبائل البدوية في سيناء من منظور أمني، بعيداً عن الدبلوماسية والجغرافيا السياسية الإقليمية.

وليس من قبيل الصدفة أن رئيس المخابرات المصرية كان دائما في مقدمة علاقات الفصائل الفلسطينية في غزة.

وكانت الحرب الأولى بين إسرائيل وحماس (2008) قد اختبرت بالفعل قدرة مصر على استيعاب ثم إعادة عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين الذين عبروا الفجوات التي فتحتها حماس في الجدار الحدودي إلى وطنهم.

وأدت الهجمات الإرهابية التي شنها تنظيم الدولة في سيناء، والتي تكثفت بعد الانقلاب واعتقال الرئيس الإسلامي، محمد مرسي، إلى فرض ضغط على شبه الجزيرة المصرية، التي تتصارع بالفعل مع التهديد الخطير والواسع النطاق الذي تمثله جماعة الإخوان المسلمين.

ويمثل صعود عبد الفتاح السيسي إلى السلطة في عام 2014 بداية تدهور العلاقات مع حماس، باعتبارها الحركة الحليفة لجماعة الإخوان المسلمين، إذ اتهمها الإعلام المصري بالتآمر ضد الدولة إلى جانب حزب الله، وشن ضدها حملة تشويه لا هوادة فيها.

بل إن محكمة مدنية مصرية ذهبت إلى حد تصنيف حماس كمنظمة إرهابية في عام 2015، وهو التعريف الذي أسقطته محكمة الاستئناف بعد بضعة أشهر.

وخلال حربي إسرائيل وحماس في عامي 2014 و2018، ظلت مصر مصرة على إغلاق معبر رفح أمام مرور المدنيين، على الرغم من أنها تلعب دورًا نشطًا في المفاوضات بشأن إعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية التي من المفترض قانونًا أن تمر عبر هذا المعبر الحدودي.

ومع استمرار خنقها من الحصار الإسرائيلي المصري، بدأت حماس في اعتقال المئات من المقاتلين والناشطين المنتمين إلى تنظيم الدولة و/أو المتعاطفين معه، ونشرت بيانا في عام 2017، أعلنت فيه قطع علاقاتها مع جماعة الإخوان المسلمين.

وتشير أنطونيلا هنا إلى أهمية ملاحظة أنه في نفس العام، فرضت مصر والسعودية والإمارات والبحرين مقاطعة على قطر بسبب علاقاتها مع جماعة الإخوان المسلمين، ما زاد من عزلة حماس، ووجد قادتها السياسيون الملاذ والتمويل في الإمارة الصغيرة.

وفي بادرة انفتاح أكبر تجاه جارتها القوية، نقلت حماس مؤقتا السيطرة على معبر رفح إلى السلطة الوطنية الفلسطينية، ودمرت بعض أنفاقها، وأقامت أخيرا منطقة عازلة بطول 12 كيلومترا وعرض 100 متر على طول حدودها الرملية.

وفي تلك السنوات، شنت مصر حملة صارمة ضد الإرهاب في شمال سيناء وأحرقت آلاف القرى والحقول الزراعية في رفح وما حولها بهدف حرمان تنظيم ولاية سيناء، التابعة لتنظيم الدولة، من السيطرة عليها، وفي نفس الوقت إنشاء منطقة عازلة.

 

ومع مرور الوقت، امتدت هذه المنطقة لمسافة 10 كيلومترات على طول الحدود، وبعمق 1.5 كيلومتر، إذ تخضع حدود رفح، المحاطة بجدار وأبراج مراقبة، حاليا لدوريات من قبل عشرات الآلاف من حرس الحدود المصريين.

وهنا تشير أنطونيلا إلى أن ما جرى في رفح، والذي تم بموافقة ضمنية من الولايات المتحدة وإسرائيل، وبعد ذلك بالتعاون مع حماس، اعتبرته منظمة “هيومن رايتس ووتش” بمثابة جريمة، إذ لم تعد رفح القديمة موجودة، وبدلاً من ذلك، تنتشر في أراضيها منشآت عسكرية تهدف إلى السيطرة على الحدود.

ولا يزال العمل في مشروع رفح الجديدة، الذي يبعد 5 كيلومترات عن الموقع الأصلي، في طور الإنجاز.

وكانت العمليات العسكرية المصرية جزءًا من الحرب الدولية ضد تنظيم الدولة، وكانت خلفيتها معركة السيسي المتزامنة ضد الإسلام السياسي، وكان راعي السيسي هو الرئيس الأمريكي آنذاك، دونالد ترامب.

وهكذا تم إعفاء هذه العمليات من قيود الأسلحة والقوى البشرية التي فرضتها اتفاقيات كامب ديفيد على مصر في سيناء، إذ دفعت الحاجة إلى قوة مسلحة دائمة مصر إلى مطالبة إسرائيل مرارًا وتكرارًا بمراجعة تلك المعاهدة، ومع ذلك، لم يتم التوقيع على التعديل حتى أواخر عام 2021.

وبعد انتصار حملات مصر لمكافحة الإرهاب ضد تنظيم الدولة في سيناء والتعاون الوثيق مع إسرائيل، في هذا الشأن، بدأت مرحلة جديدة من الانفراج والتنمية في شبه الجزيرة المصرية، وبعد إعلان نهاية حالة الطوارئ، تحدث السيسي عنها باعتبارها واحة للأمن والاستقرار في المنطقة، معلنا الاستعداد لإعادة إسكانها بالسكان الجدد والقدامى.

وتشير التقديرات إلى أن تكلفة خطة تنمية سيناء تبلغ نحو 40-50 مليار دولار، وأن مص تخشى من تتوقف سيناء عن الظهور على أنها “واحة الأمن والاستقرار”، في ظل الخطة الإسرائيلية لإخلاء قطاع غزة من نصف سكانه عبر إجبارهم على الهجرة مرة أخرى، هذه المرة إلى شبه الجزيرة المصرية.

لجوء اللاجئين

وهنا تشير أنطونيلا إلى أن أكثر من 50% من سكان القطاع مسجلون بالفعل كلاجئين، وهم ورثة مباشرين للفلسطينيين الذين أجبروا على الهجرة في الحرب العربية الإسرائيلية الأولى عام 1948.

وتلفت إلى أن زعزعة الاستقرار في القطاع أعاد إحياء شبح الإرهاب وإفساد مشروع السيسي التنموي في سيناء، إذ أثارت الخطة الإسرائيلية ردود فعل عربية متعددة، تدين إجبار الفلسطينيين على الهجرة إلى مصر أو الأردن.

وظهرت فكرة “غزة الكبرى” بسيناء في بداية هذه الألفية، وهي فكرة تنسب بشكل رئيسي إلى جيورا إيلاند، رئيس مجلس الأمن القومي (2004-2006) في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، أرييل شارون، وهو أحد مهندسي الانسحاب أحادي الجانب من غزة عام 2005.

وفي أعقاب انفراد حماس بالسلطة في غزة، وفي ظل غياب الظروف الملائمة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، لا سيما استحالة قبول أطراف النزاع بتسويات سياسية وانعدام الثقة المتبادلة، طرح إيلاند حلا محتملا للصراع، يتضمن نقل المسؤولية عن القضية الفلسطينية من إسرائيل إلى الأردن ومصر.

ومن خلال تغيير معالم خطط السلام السابقة، اقترح إيلاند النظر في بديلين إقليميين أكثر واقعية بكثير من رؤية الدولتين “الطوباوية”، حسب تعبيره، على أن يكون البديل الأول كان “اتحاداً أردنياً فلسطينياً”، باعتبار أن ضم إسرائيل لـ 12% من أراضي الضفة الغربية يسمح بتفكيك أكثر محدودية للمستوطنات، وفي الوقت نفسه لسيطرة النظام الملكي الهاشمي العسكرية على الأراضي الفلسطينية.

أما البديل الثاني فهو نقل 720 كيلومتراً مربعاً من سيناء إلى غزة، أي ما يعادل 12% من الأراضي التي ضمتها إسرائيل في الضفة الغربية، مقابل التنازل لمصر عن منطقة مماثلة، وهي منطقة باران في الجنوب الغربي لصحراء النقب.

وتلفت أنطونيلا إلى أن البديلين طرحهما إيلاند في إطار تكاملي، يجعل من غزة “محمية مصرية”، متصلة بالأردن عبر نفق طوله عشرة كيلومترات.

ودعماً لخطته، حدد آيلاند الفوائد الاقتصادية والأمنية لجميع دول منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك فلسطين، ومن بينها: تطوير البنية التحتية للطاقة والنقل، وكذلك ما نتج عن ذلك من تطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل.

ويبدو أن اقتراح إيلاند حظي بدعم المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وأعضاء حزب الليكود والبرلمانيين والمستشارين في حكومة نتنياهو الثانية (2009-2013)، كما انضمت الولايات المتحدة أيضاً إلى دائرة المؤيدين.

ووفقاً لهذه الخطة، فإن “غزة الكبرى” ستصبح دولة فلسطين المتصلة ومنزوعة السلاح، مع إسناد الضفة الغربية إلى سلطة فلسطينية إدارية بحتة.

لكن رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، محمود عباس، أدان هذه الخطة باعتبارها محاولة إسرائيلية لتصفية القضية الفلسطينية.

ورغم الإدانات والإنكار، عادت فكرة “غزة الكبرى” إلى الظهور في صيف عام 2019 بما تناسب آنذاك مع النهج الدبلوماسي والتجاري الأمريكي الجديد تجاه الصراع العربي الإسرائيلي.

صفقة القرن

فالوثيقة الحكومية “السلام من أجل الازدهار”، المعروفة باسم “صفقة القرن”، والتي روج لها الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، لا تحتوي على أي إشارة صريحة إلى نقل اللاجئين الفلسطينيين إلى سيناء أو إلى غزة الكبرى، ومع ذلك فإن التركيز على تعزيز الروابط الاقتصادية من خلال مشاريع البنية التحتية والتجارة، والتطوير غير المحدد للمعابر الحدودية، يشير إلى فكرة إيلاند القديمة وتحولها الذي يهدف إلى ضمان أمن إسرائيل وتحقيق فوائد اقتصادية لغزة وسيناء.

وهنا تشير أنطونيلا إلى أن الحرب الخامسة بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية في غزة تثير المخاوف المصرية من التوصل إلى حل أحادي الجانب للقضية الفلسطينية، يتعارض مع قراري مجلس الأمن الدولي رقم 242 و338، اللذين يضفيان الشرعية على أي خطة سلام جادة.

وفي ضوء الصراع الحالي، فإن احتمال طرح “غزة الكبرى” يمثل علامة على أن الطريق إلى التطبيع العربي الإسرائيلي لا يزال طويلا ومتعرجا، بحسب أنطونيلا، مشيرة إلى أن مصر كانت أول دولة عربية توقع اتفاق سلام مع إسرائيل تحت رعاية الولايات المتحدة، وظلت لفترة طويلة اللاعب الإقليمي الذي يستمع إليه الأمريكيون والإسرائيليون والفلسطينيون كثيرًا.

فمكانة مصر الدبلوماسية وقربها الجغرافي من مسرح الحرب جعلت منها وسيطًا فريدًا لا غنى عنه، يتمتع بعلاقة طويلة مع الدولة العبرية، ومع منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية، ومؤخرًا مع الفصائل المختلفة العاملة في غزة، خاصة حماس والجهاد الإسلامي.

وبحكم هذه العلاقات، توسطت القاهرة باستمرار في النزاعات والتوترات بين إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية، وبين إسرائيل وحماس، وروجت – دون جدوى – للمصالحة بين الفلسطينيين، بهدف تقديم جبهة قوية وموحدة في المفاوضات الصعبة مع الدولة العبرية.

 

ومع ذلك، لم تعد مصر وحدها الآن، ويتنافس على دورها الوسيط الآن جهات إقليمية فاعلة أخرى، نما نفوذها بما يتناسب مع تراجع الدول التي تعارض تقليديا التطبيع مع إسرائيل (العراق وسوريا ولبنان وليبيا)، وإضعاف جبهة السلام ( مصر والأردن)، والانسحاب الأمريكي من المنطقة.

وترى أنطونيلا أن ذلك هو ما يفسر، جزئياً، الاهتمام المتجدد للرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، باستئناف العلاقات مع حماس بعد الذروة السلبية للعلاقات المصرية مع الحركة المسجلة في حقبة 2014-2016.

وإزاء ذلك، تجاوزت مصر حملة التشويه التي شهدتها تلك الفترة إلى الاعتراف الهادئ بالحركة الفلسطينية المسلحة باعتبارها لاعبًا لا غنى عنه في حل الصراع وكجارة “غير مريحة” على طول الحدود المضطربة بين سيناء وغزة.

واتسم هذا التطور في السياسة المصرية بشأن معبر رفح الحدودي خلال الحرب الرابعة بين إسرائيل وحماس في عام 2021.

وعلى عكس الحروب السابقة، ظل المعبر مفتوحًا طوال فترة الصراع للسماح بالتوزيع السريع للمساعدات الإنسانية وتجنب أزمة لاجئين جديدة في سيناء “التي أصبحت هادئة” آنذاك. وأكسب نجاح مصر في الوساطة، خلال تلك الحرب، تأكيد إدارة بايدن على دورها الذي لا غنى عنه في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، رغم اتجاه إدارته السابق إلى تهميش مصر على أساس سجلها السيئ في مجال حقوق الإنسان.

منافسة إقليمية

لكن هذا النجاح الدبلوماسي لم يكن بفضل مصر فقط، بل شاركتها فيه قطر، إذ كان الأمير، حمد بن خليفة آل ثاني، أول رئيس دولة عربي يزور قطاع غزة في عام 2012، وهو العام الذي كانت فيه جماعة الإخوان المسلمين تعيش لحظة مجدها العابرة بعد سقوط الرئيس المصري، حسني مبارك، والمرحلة السياسية المضطربة التي تلت ذلك.

ولا تزال قطر تستضيف مكتبا تمثيليا لحماس، وتمنح مساعدات سنوية لقطاع غزة، تبلغ قيمتها حاليًا حوالي 360 مليون دولار، بهدف دفع تكاليف الكهرباء، وبرامج المساعدة الإنسانية، ورواتب موظفي القطاع العام، والتي لا تغطيها السلطة الوطنية الفلسطينية.

ويمكن تبرير هذه المساعدات المالية باعتبارها مساهمة في حل الأزمة الاقتصادية والإنسانية الحادة في غزة أيضًا في أعقاب صراع عام 2021، وجرى الاتفاق عليها في البداية مع مصر وحماس، ثم انضمت إليها فيما بعد السلطة الوطنية الفلسطينية والأمم المتحدة، وأخيراً وافقت عليها إسرائيل على أساس صيغة معقدة تهدف إلى إزالة عقبة الاعتراف بحماس.

ولذا تؤكد أنطونيلا أنه “لا يمكن إنكار أهمية قطر الإقليمية”، بدليل أن الولايات المتحدة تعترف بها كأكبر حليف لها من خارج الناتو وأنها تستضيف أكبر قاعدة جوية أمريكية في الشرق الأوسط، وهي قاعدة العديد.

وتشترك تركيا بقيادة، رجب طيب أردوغان، مع قطر في العلاقة مع حماس والإخوان المسلمين، وعملت أنقرة أيضًا على تسهيل إطلاق سراح الأسرى لدى حماس في غزة بعد عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر/تشرين الأول.

وتبرز دولة الإمارات العربية المتحدة أيضًا في السياق الإقليمي، وعلى الرغم من معارضتها لمواقف قطر وتركيا، فقد كانت تتطلع منذ فترة طويلة إلى تغيير النظام في غزة كخطوة مناهضة لحماس والإخوان المسلمين.

واتهمت الإمارات، إحدى الدول الموقعة على اتفاقيات إبراهيم في عام 2020، حماس صراحة بـ “التصعيد الخطير والبربري”، لكنها كانت في طليعة تقديم المساعدات الإنسانية والمساعدة المالية لوكالة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين، الأونروا.

وإزاء ذلك، فإن القاهرة أمام تحد يتمثل في أن تكون جهودها الأمنية والإنسانية على نفس مستوى منافسيها، لضمان مكانتها.

وتخلص أنطونيلا إلى أن فتح معبر رفح ربما يؤدي إلى انتشال مئات الآلاف من النازحين المتجمعين في جنوب قطاع غزة على طول حدود سيناء من الموت، ومع ذلك فإن هذه القوافل البشرية الفقيرة لن تعبر الحدود وتنصب خيامها في مخيمات للاجئين في شبه الجزيرة المصرية، ولن يكون أمامها سوى العودة إلى سجن غزة المفتوح.

 

المصدر: أنطونيلا كاروسو/جيوبوليتيكال فيوتشرز – ترجمة وتحرير الخليج الجديد
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق