أبحاث ودراسات

الخرخير.. صراع الكثبان الرملية

مركز جزيرة العرب للدراسات والبحوث  – خاص

تتمتع الخرخير بأهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة للمملكة العربية السعودية، ذلك أنها تقع على حدودها مع اليمن، وتتبع إدارياً محافظة نجران، وتقع أيضاً عند المثلث الحدودي بين اليمن وسلطنة عمان، الأمر الذي يمنحها أهمية من نوع لدى المسؤولين السعوديين. وطبعاً يعود هذا الاهتمام للخرخير للموقع وليس لقاطنيه، فقد شهد أبناء المنطقة إهمالاً متعمداً شمل مختلف جوانب الحياة الأساسية الضرورية للحياة ، مع تعطيل للخدمات، وحرمان من العديد من الحقوق، شمل تعطيل حصولهم على جوازات سفر أو تجديدها، وحرمان من الهويات الوطنية، ومن الرعاية الصحية، وغيرها من الجوانب المأساوية، وصولاً إلى إلغاء المحافظة وتهجير سكانها منها.

ويتبلور اهتمام الحكومة السعودية في إخلاء المنطقة على ما يبدو لاستخدامها في مشاريع مختلفة، بما في ذلك مد أنابيب النفط منها إلى بحر العرب، مروراً بمحافظة المهرة اليمنية، ومن المرجح أن يكون للأمر علاقة أيضاً بالقاعدة العسكرية الأمريكية السرية الموجودة في المنطقة.

يقال أن السبب وراء تسمية الخرخير بهذا الاسم كثرة المياه في المدينة، كما يعزو البعض السبب إلى صوت خرير الماء الذي كان يصدر من عند بئر خرخير القريبة من المحافظة، وقال بعضهم أن السبب وراء التسمية هو بعد المدينة وغوصها في رمال الصحراء، حيث كان القدامى والبدو يطلقون على الإنسان الذي يبتعد في عمق الصحراء “خرخر” أي ابتعد.

موقعها: تقع الخرخير في أقصى شرق منطقة نجران، وتبعد عنها حوالي 900 كيلومتر، وتتبعها إدارياً، وهي تقع عند المثلث الحدودي بين اليمن وسلطنة عمان.

الإهمال تاريخي امتد وصولاً إلى إلغاء المحافظة:

يمكن القول بأن معاناة أهل مدينة الخرخير بدأت مع بداية ترسيم الحدود بين دول شبه الجزيرة العربية في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وقد ازدادت معاناتهم سوءاً مع قرار إلغاء محافظة الخرخير، وتهجير سكانها، ومن أبرز أوجه ذلك الإهمال والتهميش الآتي:

  • تعطيل حصولهم على جوازات السفر وعدم القدرة على تجديدها عند انتهاء صلاحيتها.
  • حرمان المواطنين من هوياتهم الوطنية منذ خمسة عشر عاماًعلى الرغم من استلامهم إيصالات الاستلام.
  • ذلك الحرمان من الجوازات والهويات الوطنية أدى إلى حرمانهم من أبسط حقوقهم من قبيل مثل الحصول على وظائف أو الحقفي التعليم والعلاج.
  • إضافة إلى عدم مقدرة العائلات الحصول على تصاريح دفن لموتاهم إلا بشق الأنفس، وعدم حصولهم على عقود زواج وغيرها من الحقوق المشروعة إلا بمعاناة كبيرة..[1]
  • ومنذ ما يزيد عن عشر سنوات أُوقف البناء في المدينة، الأمر الذي دفع العديد من الأسر للتشارك بمنزل واحد، على الرغم من ضيق المساحة، ودفع البعض الآخر إلى العيش داخل بيوت من الهناقر و الأخشاب والزنك، لاتقيهم من قيظ الصيف ولا زمهرير شتاء الصحراء.
  • على الرغم من تواجد هيكل للمستشفى في المدينة إلا أن خدماته لا تتعدى وصفه بمركز رعاية أولية لاقتصار الخدمات المقدمة عليها، مما يدفع بالعديد من أهالي المحافظة إلى السفر لمسافة 500 كلم قاصدين مستشفى شرورة، وهي المسافة التي قد تودي بحياة المريض في الطريق.
  • بالإضافة إلى تلك المعاناة؛فإن المدينة تعاني من شح في المياه على الرغم من الوعود المتكررة بمشروع لإيصال المياه.
  • انقطاع تام للخدمات المرورية والبنكية، وما يتعلق بالأحوال المدنية، حيث يقطع أهالي المدينة مسافات طويلة سفراً باتجاه مدن أخرى لإجراء معاملات متعلقة بإحدى هذه الخدمات ، وإن كانت رحلة الحصول على الهوية الوطنية من أصعبها وأكثرها تعقيداً.
  • كما يعاني قطاع التعليم في هذه المدينة من وضع متدنٍ للغاية، على الرغم من توافر مدرستين ابتدائيتين لكل من البنين والبنات، ونظير لهما للمرحلة الإعدادية، وواحدة للثانوية، إلا أنها قليلة بالنسبة إلى عدد السكان وحجم هذه المدارس التي تتصف صفوفها بالضيقة. ناهيك عن العقبات التي تواجه العملية التعليمية نتيجة تحدث عدد كبير من الطلاب للغة المهرية “وهي لغة حميرية” التي لاتساعدهم على فهم الواقع نتيجة لانقطاع الخدمات وخلو المنطقة من أبراج الاتصالات، مما منع من وصول وسائل الإعلام الحديثة إليها.[2]

وفي نهاية عام 2014 صدر أمر ملكي يقضي بإزالة محافظة خرخير من ضمن المحافظات السعودية بناءً على محضر اللجنة المشكلة وفق الأمرين الساميين في كل من العام 1432هـ و العام 1435هـ، وضم مناطقها إلى مدينة نجران، من خلال نقل المراكز التابعة لها من وزارات: الداخلية، الدفاع، الشؤون البلدية والقروية، المالية، النقل، الاقتصاد والتخطيط من خرخير إليها. وقد عزت الحكومة السعودية هذا القرار لبعد الخدمات عن المحافظة.

إلا أن التفسير الواقعي لهذه الخطوة مرتبط بسعي السلطات السعودية لتنفيذ مخططها القديم الجديد بإنشاء خط أنبوب نفط يمتدمن الخرخير حتى بحر العرب مروراً بمدينة المهرة اليمنية. وإن كان ثمن ذلك تشريد آلاف السكان وتهديد حياة آخرين في اليمن والخرخير.[3]

كما يبدو أن للأمر علاقة بمقاومة قبائل المهرة للمخططات والمشاريع السعودية، وتصديهم لها على أرض اليمن، وهي ذات القبائل التي تتصل بعلاقة دم وقرابة مع قبائل الخرخير، ما دفع البعض للقول بأن ما جرى كان عدواناً مقصوداً، واستهدافاً ممنهجاً كنوع من العقاب الجماعي، ويفسر أيضاً وجود جو من عدم الثقة بين النظام السعودي وقبائل الخرخير. [4]

القاعدة العسكرية الأمريكية في صحراء الربع الخالي، نوعها وقدراتها وعملياتها:

أظهرت بعض صور الأقمار الصناعية المسربة مهبطاً جوياً بعيداً في صحراء الربع الخالي بالمملكة العربية السعودية، ويرجح أن يكون للقاعدة السرية الأمريكية للطائرات بدون طيار، ووفقاً لروايات من واشنطن بوست ونيويورك تايمز، فقد بنت الولايات المتحدة قاعدتها السعودية السرية قبل سبعة أعوام تقريباً، وكانت أول مهمة قتالية لها في سبتمبر 2011 بغارة استهدفت أنور العولقي ، المولود في الولايات المتحدة و المنتمي لتنظيم القاعدة في اليمن، على الحدود مع السعودية، ومنذ ذلك الحين، شنت الولايات المتحدة عشرات الهجمات بطائرات بدون طيار على أهداف يمنية.

وتظهر الصور المسربة ثلاثة حظائر على شكل “صدفي” محاطة بسياج، يبلغ طول كل منها 150 قدماً وعرضها 75 قدماً تقريباً؛ هذا يكفي لحمل طائرات بلا طيار من نوع Predator و Reaper. حظائر الطائرات أكبر قليلاً ، على الرغم من أنها متشابهة في الشكل، مع تلك التي تحتوي على طائرات بدون طيار في مطار قندهار الجوي في أفغانستان. ويضم مطار شمسي في باكستان، الذي كان يمتلك طائرات أمريكية بدون طيار، مجموعة من ثلاثة حظائر لا تختلف عن تلك الموجودة في القاعدة السعودية. لا توجد طائرات موجهة عن بعد مرئية في الصور. لكن أكثر من ضابط سابق في المخابرات الأمريكية أخبروا Danger Room أنهم متأكدون بشكل معقول من صدق المعلومات التي كشفت عنها وسائل الإعلام بخصوص القاعدة السرية.

يقول أحد الضباط: “أعتقد أنها القاعدة التي تستخدمها الولايات المتحدة لتسيير طائرات بدون طيار إلى اليمن، إنها في شرق المملكة العربية السعودية، بالقرب من اليمن”.

يمكن رؤية ثلاثة مهابط طائرات في الصور؛ اثنتان كبيرتان بما يكفي لهبوط الطائرات بدون طيار أو الطائرات الخفيفة التقليدية. المدرج الثالث قيد الإنشاء أطول إلى حد كبير. بكلمات أخرى: المنشأة تنمو وهي تتوسع لتطير منها طائرات أكبر بكثير.

وإذا أثبتت هذه الصورة أنها قاعدة سرية لطائرات بدون طيار ، فلن يكون أول مطار أمريكي سري تكشفه صور الأقمار الصناعية العامة. ففي عام 2009 ، على سبيل المثال ، كشفت السيناتور ديان فينشتاين عن طريق الخطأ أن الولايات المتحدة كانت تحلق طائراتها الآلية من الأراضي الباكستانية.[5]

وحتى اللحظة يبدو أن السعودية رسمياً ستكتفي بالصمت تجاه تلك التقارير والتسريبات المتعلقة بالقاعدة الأمريكية السرية، خصوصاً وأن القوات الأمريكية انسحبت علناً من السعودية في عام 2003 بعد أن سبقتها سلسلة من الهجمات والتفجيرات استهدفت التواجد الأمريكي ومنها تفجير أبراج الخبر وهجمات بسيارات مفخخة بالرياض.

 ترحيل وتهميش لصالح النفط وأمريكا

من الواضح أن المنطقة ذات أهمية على المستويين العسكري والاقتصادي، فهي الموقع الذي يفترض أن تنطلق منه أنابيب النفط نحو بحر العرب عبوراً من المهرة اليمنية، ومنها أو على مقربة منها توجد القاعدة العسكرية الأمريكية التي انطلقت وتنطلق منها هجمات الطائرات بدون طيار نحو اليمن، والتي من المرجح أنها توسعت أو في إطار ذلك.

وتلك الاعتبارات والحسابات لا تأخذ بعين الاعتبار مصلحة وحقوق سكان المنطقة الأصليين؛ بل تأتي عليها وتقضمها، فهم كانوا ولازالوا حتى اللحظة يعانون من التهميش والحرمان، وكان من ذلك اعتصام أهالي حي الملك عبد الله بالخرخير في سبتمبر من العام 2018 احتجاجاً على تركهم في العراء دون ماء ولا غذاء، وبعد أن جرى سحب جميع الخدمات من منطقتهم ليتركوا في الصحراء بدون أدنى اهتمام، إثر إلغاء المحافظة.

ومن المعلوم بالضرورة أن أهالي الحي؛ كما جزء كبير من أهالي المنطقة الحدودية؛ يعودون لقبائل ممتدة داخل الحدود اليمنية خصوصاً في المهرة، وهم طوال السنين يعاملون من الحكومة السعودية معاملة فيها تمييز واضح كما لو كانوا مواطنين من الدرجة الثانية بل قل العاشرة، فيجلسون السنوات في انتظار تجديد جوازات سفرهم وإجراء المعاملات واستخلاص الأوراق الرسمية، ولم تتحصل نسبة كبيرة منهم على هوياتهم الوطنية وحرموا من الجنسية السعودية. وتسلط هذه المعاناة الضوء على وجه من وجوه انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية، وعدم وجود مواطنة متساوية.

تنم السياسة السعودية وطبيعة إدارتها للعلاقة مع القبائل التي تسكن الخرخير عن جهل كبير في أسس ومعالم بناء الأمن القومي، الذي يعتمد على بناء الإنسان وبناء الثقة فيه تجاه الدولة وتعزيز ولائه لها، وهي صورة أخرى من صور الفشل والإدارة غير المتوازنة للأمور والتقدير الخاطئ للحسابات الذي تميزت به الحكومة السعودية خصوًصا في السنوات الأخيرة.

ــــــ

المراجع:

[1]https://twitter.com/Kharkheer?s=09

[2] – الخرخير.. عزلة ونقص خدمات وسفر للعلاج وإنهاء المعاملات https://makkahnewspaper.com/article/9567

[3] – أمر ملكي بإلغاء محافظة “الخرخير” وتوزيع مراكزها على مواقع أخرى https://ham-24.com/43282/

[4]–   https://almahrahpost.com/news/5661#.XqtanlMbfBI

[5] – Is This the Secret U.S. Drone Base in Saudi Arabia? https://www.wired.com/2013/02/secret-drone-base-2/?pid=1806&utm_medium=twitter&utm_source=twitterfeed

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الخرخير.. صراع الكثبان الرملية”

  1. تقرير رائع جدا لتوضيح مايدور في هذه المنطقة اليمنية التي اخذتها السعودية من الهالك علي صالح الرئيس اليمني بثمن بخس لأهداف موضحة في التقرير.
    ينقص التقرير كم عدد سكان هذه المنطقة
    ولكم جزيل الشكر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق